Friday, May 04, 2012

كل شيء هادئ



متعة الخيال هي متعة لا تماثلها متعة، متعة مجانية لا تكلفك إلا ما تستغرقه من حياتك، رصيد يولد مع الانسان، وكأنه كان يشحن هذا الرصيد طوال خلوته بنفسه تسعة أشهر مدة بقائه نقياُ داخل رحم أمه، ليستهلك هذا الرصيد من الخيال في حياته، رصيد يتناقص مع كل شيء، مع مرور الوقت ومع كثرة الاستهلاك ومع الإهمال.

أكثر أوقاتنا التي نمارس فيها التمتع برصيدنا من الخيال هي فترة الطفولة حيث يحلق بنا الخيال إلى عالم عجيب متناقض تقوم فيه قصصنا بذاتها، يخيل لنا قيه أنّا سوبر مان، وأنّا نستطيع تحريك الأشياء بمجرد النظر إليها، نستطيع ان نكون أطباء حتى وإن كان ما نعالجه دمية صغيرة طمس قلم أبينا الحبر معالم الوجه فيها، نستطيع أن نكون مهندسين نبني العمارات وإن كانت عماراتنا من المكعبات، أو طيارين وإن كانت طائراتنا هي كنبة في الصالون أو نختفي خلف ستائر الغرفة وهي ترتفع بفعل تيار الهواء فنتخيلها صاروخاً صاعداً بنا إلى عنان السماء، نستطيع أن نكون مخترعين أفذاذ رغم أن كل ما اخترعناه سفينة ورقية أو طائرة نصنعها من عصي الآيس كريم، نستطيع أن نكون آباء وأمهات بمجرد لعبنا للعبة عريس وعروسة دون تكلفة حيث نمارس طواعية وبسعادة بالغة دور الأب الكادح والأم الغاضبة اللذان يعانيان من أجل سعادة أسرتيهما المكونة من مجموعة من العرائس والدباديب.

ما ان ننتقل إلى عالم المراهقة حتى تتغير طبيعة هذا الخيال القائم بذاته ليتحول إلى خيال يمتزج أكثر بواقع ما حولنا ويعتمد عليه فيبدو وكأن رصيد الخيال لدينا يتناقص في مقابل إدراكنا للواقع وتبدأ عملية ما يسمونه نضجاً، لكننا - ومع هذا النضج - لا نُحرم تماما متعة الخيال، فنظل نحلم بأن الفاتنة ابنة الجيران - التي أصبحت فيما بعد أم السيد - والتي تكبرك بسنوات ستنتظرك حتى تنتهي من دراستك للتتقدم لخطبتها، وأن أباك ولا شك سيحضر لك هدية كبرى عند نجاحك في الثانوية العامة، هدية قد تصل لسيارة مثلاً أو رحلة إلى الخارج لتكمل تعليمك، وأنك إن اجتهدت في دراستك ستكون يوماً ما وزيراً أو رئيساً بعد أن يتم اختيارك لكفائتك وقدراتك المميزة لهذه المناصب المرموقة، ستكون مشهوراً فذاً يشار إليك بالبنان، هذا بالإضافة إلى أن جميع أحلامنا وخيالاتنا في هذه المرحلة لا يفارقها سَننٌ ثابت وضعناه بضرورة الانتصار العاجل للخير على الشر، وعلو القيم والمبادئ على الانحلال والفساد، وحتمية زواج الحبيب بمحبوبته مهما كانت الصعوبات، وانتصار بطل الفيلم الخيّر في النهاية على كل جميع الأشرار فيه.

في مرحلة الشباب يتضاؤل الخيال فينا، فهو لا يقوم بذاته، ولا يرتبط بما حولنا، بل يكون خيالنا حسب ما هو مسموح لنا أن نتخيله ونحلم به، فلا تحلم أن تكون رئيساً بل تخيل أنك وجدت فرصة عمل مناسبة، ولا تتطلع لتكون وكيل نيابة لأنك ببساطة لست من أبناء القضاة ولكن يمكنك أن تحلم أن تكون محامياً ناجحاً، ولا تتحدث عن فتاة مخصوصة لأحلامك بل مسموح لك أن تحلم بالزوجة وفقط، ولا تتمنى السكنى في بيت فسيح بحديقة في ريف جميل فيكفيك ان تتخيل حصولك على شقة صغيرة في أي مكان، لا تنتظر أن تحيا حياة كريمة يكفيك أن تحيا، ولا تنتظر أن تكون قدراتك وما تقدمه للآخرين معيار تقدمك في حياتك وعملك بدلاً من ذلك يمكنك ان تتخيل أن قدراتك تمنحك ثباتاً بدلاً من تأخر محتوم وما تقدمه للآخرين خير ترميه إلى البحر وتنال به الثواب الأخروي، كما أنك تبدأ تتعلم أنه ليس من الضروري أن تحصل على من لا يقدم عليك أحد، فيكفيك من يدعي أنه لا يقدم عليك أحد - إن وجدته -، كل هذا وغيره وانت تنضج على حرارة أمثالنا الجميلة " اللي يبص لفوق يتعب "، " على أد لحافك مد رجليك " وعلى كلمات محمد منير "قبل ما تحلم فوق، احلم وانت فايق .. قبل ما تطلع فوق، انزل للحقايق".

وهكذا يستمر - نتيجة لتزايد خبراتنا في الحياة - زحف الواقع على رصيد الخيال لدينا في كل مرحلة من حياتنا، حتى نصل لمرحلة يتراجع فيها خيالنا وننبذه بل ونتبرأ منه ونهزأ ونخجل منه ومن أنفسنا أن كنا يوماً ما نعيش فيه رغم أمنياتنا المتكررة أن نعود أطفالا أو شباباً لنعيش فيه من جديد، نسخر منه وكأنه لم يكن يوما ما سلوى وحافز لنا، وكأنه لم يأخذ يوما بأيدينا لنرسم بعض ما نحن عليه الآن، وكأنه هو السبب في فشلنا وخيبتنا في الحصول على ما ساعدنا هو على الحلم به والسعي إليه وانتظاره، وكأننا نتهمه بالغدر بنا فنعاقبه على عدم تحقق أحلامنا، ونجعل منه سبة ونحن نمارس دوراً اجتماعياً مورس علينا من قبل فننصح الآخرين: أنت تحيا في الأوهام، لا تكن مريضاً بالخيال، لا تكن رجلاً خيالياً !! .

ورغم أنه ومع رصيد خبراتنا في الحياة أصبح خيالنا جاهزاً ليستخدم على الوجه الأمثل، إلا أننا عند تلك النقطة نفرض حجراً وإقامة جبرية على ما بداخلنا من رصيد باق من هذا الخيال، نحبسه غير مأسوف عليه، رغم أن كل ما يعدنا به الآن أشياء بسيطة لا تتعدى أمنية أن نحيا كراماً، أو أن ننام هانئي البال قريري العين غير حزانى ولا باكين، يعدنا بأذن صاغية تسمع منا شكوانا ويد قوية تأخذ بأيدينا وتمتد لتربت على أكتافنا وتمسح عنا غبار الأيام، وأذرع حانية تحتضنا وتواسينا في المحن محبة منها لا أداء لواجب، ودون طلب منا أو لفت انتباه. يعدنا بقلوب تنظر إلى دواخلنا فتفهم ما نعانيه، وتشاركنا لحظات الفرح والترح، وتحملنا في رضانا وفي سخطنا، ولا تحمّلنا آثامنا ولا خطايانا فضلاً عن خطايا الآخرين، وتشير علينا ماذا نفعل وقت الصعاب وتذكر لنا الخير وتذكرنا - ولو كذباً - بالخير القادم غداً.

أرى أن خيالا مثل هذا لا يمكن أن يتحقق ونحن نخنقه بهذا الجفاف الذي نسميه ظلما نضجاً.

3 comments:

samah khamis said...

مين قال ان الخيال انعدم الآن ...الخيال لا يزال جزء لا يتجزأ من حياتنا في جميع الاعمار ...لا زلنا عندما نحن لمن فقدناهم في حياتنا لا زلنا نتخيلهم و هم مازالوا معنا يربتون علي أكتافنا و يهتمون بنا ...لا زلنا كلما عانينا و تعبنا ..نتخيل أبناءنا و قد كبروا و نجحوا ليتوجوا ثمرة كفاحنا معهم فيهون علينا التعب و تهون المعاناة ...لا زلنا في كل ازمة تحل بنا لا نجد بعد التضرع الي الله سبحانه و تعالي الا بعض الخيال و احلام اليقظة لنشحن بها عواطفنا و مشاعرنا طاقتنا ...لنواصل و نتعايش معها

Anonymous said...

--

ma 3lina said...

samah khamis
وعندما نفعل ذلك يتهمونا بأنا عاطفيين وغرقى في الأحلام، فكثير منا عندها يضطرب ويتبرأ ويكبت.

تحياتي