Saturday, April 12, 2014

حق حمل السلاح


“A well-regulated Militia, being necessary to the security of a Free State, the right of the people to keep and bear Arms, shall not be infringed”
Second Amendment to the United States Constitution.

"بما أنه لابد من جيش شعبي (ميليشا) مُنضبط جيدًا، لكونه ضرورة لحماية دولة\ولاية حرة، بالتالي فإن حق الشعب في الاحتفاظ بالسلاح أو حمله، لا يمكن أن يُسمح بانتهاكه"
الدستور الأمريكي- التعديل الثاني

***************

في نهاية القرن السابع عشر، كانت انجلترا تخوض صراعًا أهليًا ضخمًا، كان الاقتتال الكاثوليكي-البروتستانتي أحد روافده الكبرى.. ليس هناك فائدة كبيرة حاليًا من سرد أسباب الصراع و حكايته الطويلة، لكن ما يهمنا هو ما نتج عنه قانونيًا، و صار مصدرًا كبيرًا للإلهام فيما بعد: ميثاق الحقوق الإنجليزية:English Bill of Rights

في عام 1689 صدر قانون من البرلمان البريطاني، مستلهمًا أفكار عصر التنوير عن "الحقوق الطبيعية:natural rights" و التي كان ينصُّ أحد أهم أفكارها على حق البشر في امتلاك السلاح للدفاع عن أنفسهم، استلهم تلك الفكرة لإنهاء آخر بقايا عصر الحكم الكاثوليكي لانجلترا الذي غاب للأبد بسقوط الملك الكاثوليكي (جيمس الثالث) على يد الملك البروتستانتي الجديد (ويليم الثالث) الذي غزا انجلترا قادمًا من هولندا تتويجًا للثورة العظمى، البرلمانية البروتستانتية، ضد الملكية الكاثوليكية البائدة..

كان نص التسليح في الميثاق هو الآتي:

  " المواطنين البروتستانت لهم حق امتلاك السلاح للدفاع عن أنفسهم حسب ظروفهم و حسب المسموح بالقانون"

“ That the Subjects which are Protestants may have Arms for their Defense suitable to their Conditions and as allowed by Law ”

و سيُعلِّق السياسي ورجل القضاء الانجليزي، السير ويليام بلاكستون: Sir William Blackstone على هذا القانون بعد عقود طويلة، بأنه ضروري لأن استخدام السلاح هو الملجأ الأخير عندما تصبح العقوبات المجتمعية و القانونية غير كافية لمواجهة العنف و الاضطهاد.

أي بصورة أكثر تبسيطًا: إن أصبح القانون و العرف المجتمعي لا يُنصف الإنسان في مواجهة العنف و الاضطهاد، فلابد له من تفعيل الحق الطبيعي في الدفاع عن نفسه ضد الظلم، بواسطة امتلاكه للسلاح..

هكذا بدأ التوثيق الدستوري لهذا الحق في تسليح الشعب، و منه سينتقل هذا الفكر إلى امبراطورية ما خلف بحر الظلمات:الولايات المتحدة الأمريكية..

***************

في وقت مبكر من تاريخ أمريكا الحديث، قام المستوطنون الانجليز بالاتفاق على وثيقة تسمح بحمل السلاح للشعب، و كانت أهم الأسباب المذكورة التي شملها هذا الاتفاق العُرفي هي:

1) السماح للناس بتكوين نظام الجيش الشعبي.
2) المشاركة في فرض القانون.
3) مقاومة أي حكومة قمعية طاغية.
4) دفع الاحتلال الأجنبي.
5) تيسير القيام بحق البشر الطبيعي في الدفاع عن النفس.

لاحظ البنود المذكورة، و تأمّل حال الأمة المنكوبة! متزامنًا مع هذا العرف كان المماليك يحكمون مصر تحت رئاسة باشا عثماني لا يتدخل كثيرًا، و كانت الأمّة بشكل عام تكاد تحصر القوة المسلحة في الجيوش العاملة، أو القبائل البدوية المنتشرة، فتأمل فارق التفكير، و تأمّل أحد أهم أسباب استمرار بقاء الديكتاتورية و الطغيان في العالم الإسلامي بشكل عام و الأمة العربية بشكل خاص، و لا نقول طبعًا أنه السبب الرئيسي أو الوحيد..

مبكرًا جدًا كان الانجليز، تلاهم الأمريكان، يتعاملون مع مسألة حمل الشعب للسلاح كضرورة لا يحقُّ لأحد خرقها، فهي الضمان لمقاومة الحكومات الطاغية قبل أن تكون لمواجهة الاحتلال الأجنبي! هي –قبل كل شيء- لتفعيل واحد من أهم رئيسيات الحقوق البشرية الطبيعية: حق الدفاع عن النفس.
في نهايات القرن الثامن عشر كانت بنسلفانيا الأمريكية أول ولاية تضع دستورًا يحتوي على تلك الفكرة، و هي حق الشعب في امتلاك سلاح للدفاع عن أنفسهم و عن الولاية..

كانت الثورة الأمريكية ضد الحكم البريطاني هي البداية الكبرى لإيذاء انجلترا الإمبريالية بهذا القانون!
حيث ساهم تسلُّح الوطنيين في تعاظم قوتهم المواجهة للكولونياليين الانجليز، و لم ينفع القانون الانجليزي المتعجِّل الذي أصدره البرلمان لمنع السلاح في أمريكا و التحكم فيه بحسب الولاءات، فقد كان السيف قد سبق العذل، و لم يوافق أحد طبعًا على نزع السلاح، و انتهت الثورة بسقوط الانجليز و استقلال الولايات الأمريكية.. غير المتحدة بعد..

مع بزوغ الصراع الداخلي بين المستقليّن من الفيدراليين و أعداء الفيدرالية، كان لابد من دستور جامع للبلد الجديد، الولايات المتحدة الأمريكية، يقوم واضعوه بصياغة لا تثير ريبة و لا ضيق أعداء الاتحاد الفيدرالي.. فكان وضع التعديل الثاني و صياغته بواسطة جيمس ماديسون: James Madison والذي يؤكد بصورة حاسمة أن الشعب سيظلّ حاملًا للسلاح و لن يُنزع منه، مما أراح أعداء الفيدرالية قليلًا و الذين كانت تنتابهم الهواجس من تكون جيش قوي مركزي عام في مقابل إضعاف الشعب، و هذا كان بالنسبة لهم كارثة تعني فقدان المواطنين و ولاياتهم لحرية الاعتراض أمام الدولة المركزية..

عامة فإن الباحثين المعاصرين يُنبِّهون أن ماديسون لم يخترع شيئًا جديدًا! فقوانين الولايات جوار العرف المجتمعي العام كان لا يسمح بنقاش هذه المسألة أصلًا! تنزع السلاح من يد الشعب؟! أتمزح؟!!

الرجل فقط صاغه في هيئة دستورية تُلزم الحكومات المتعاقبة بصورة دائمة بألّا يمسّوا السلاح المنتشر في أيدي الناس، و هناك دلائل على أسبقية قوانين الولايات لذلك، مثل تلك المادة في دستور ولاية نيوهامبشير التي تقول الآتي كتفسير لضرورة السلاح لأن:

" عدم المقاومة ضد القوة الاستبدادية، و القمع، هو أمر سخيف وضيع و مدمر لخير و سعادة البشرية "

“ Nonresistance against arbitrary power, and oppression, is absurd, slavish, and destructive of the good and happiness of mankind ”

عامَّة لم تكن صياغة المادة الدستورية سهلة أو يسيرة، فقد حدثت نقاشات موجعة و صارخة بين أعداء الفيدرالية الذين رفضوا أي اقتراح لنزع السلاح من يد الناس، و قد جمعوا حججهم تحت عنوان كبير إسمه: حق الشعب في مواجهة أي طغيان حكومي، أو ما يُسمى اليوم بإرهاب الدولة، و بين أنصار الفيدرالية الراغبين في نزع السلاح أو تخفيفه لمنع (حكم العصابات الشعبية mob rule of the   people) وزاد من النقاشات اشتعالًا ما جرى في الثورة الفرنسية المتزامنة وقتها من انفلات زمام الشعب، لكن في النهاية انتصر الرأي الرافض للمساس بحق الشعب في التسلح بحرية.. و تم صياغة ذلك في الدستور و القوانين الشارحة..

لكن قبل الانتقال لما بعد الإقرار، لابد أن نمر على هذه الأقوال الهامة، و التي قيلت أثناء نقاش التصديق على هذه المادة الدستورية..

لنبدأ مع ثيودور سيدجوك Theodore Sedgwick نائب ماساشوسيتس و الذي علّق على أهمية المادة بقوله:

" إنها فكرة خيالية افتراض أن بلد كهذه يمكن أن تُستعبَد يومًا.. أهذا ممكن؟ أيمكن أن يظهر جيش يومًا من هذا الشعب يقومون فيه باستعباد أنفسهم و أخوانهم؟! "

و يقول نواه ويبستر Noah Webster أيضًا:

" قبل أن يقوم جيش نظامي بالحكم، لابد له أن ينزع السلاح من يد الشعب، كما هو جارٍ في معظم ممالك أوروبا. القوة العليا في أمريكا لا يمكنها فرض القوانين الظالمة بالسيف، لأن الشعب بأكمله مُسلَّح، و هو يكوِّن القوة العليا بالنسبة لأي قوات مسلحة نظامية يمكن أن تظهر في الولايات المتحدة "

جورج ماسون George Mason (أبو وثيقة حريات الولايات المتحدة) ذكَر الأعضاء بما فعلته انجلترا من محاولات لنزع السلاح من الشعب، حيث إنها " كانت ترى نزع السلاح الشعبي أفضل وسيلة مؤثرة لاستعبادهم"

هذه كانت بعض التعليقات على المادة الدستورية، قبيل صياغتها و التصديق عليها مباشرة، و برغم أن إحتجاج الويسكي الأمريكي ظهر في خلال فترة وجيزة كتحدٍ مرعب لهذه المادة، حيث قام المزارعون:المسلحون بثورة ضد الحكومة الفيدرالية الطاغية – من وجهة نظرهم – و التي قامت بفرض ضريبة جديدة، إلا أن المؤسسين تعاملوا مع الموقف العصيب وخاضوا معارك مع المتمردين حتى انتهى الأمر بمفاوضات و زمن طويل لذوبان الأمر تمامًا، و لم يتم تعديل الدستور وقتها لنزوة أو استخدام خاطيء من البعض..

و هذه كانت كلمات المزيد من السياسيين بعد إقراره..

يقول تِنش كوكس Tench Coxe :

" يمكن للحكام المدنيين غير القادرين على أداء واجباتهم بصورة صحيحة،يمكن لهم أن يتحولوا إلى الطغيان. ويمكن للقوات المسلحة التي من واجبها الدفاع عن بلدنا، أن تحوِّل قوتها لضرب أتباعها المدنيين.

و في الحالتين لابد من التأكيد على حق الشعب في امتلاك و حمل أسلحته الشخصية."

و يقول جوزف ستوري Joseph Story القاضي بالمحكمة العليا الأمريكية:

" حق المواطنين بحمل السلاح و الاحتفاظ به حقًا أمر يؤخذ في الاعتبار، فهو بالاديوم حريّات الجمهورية، حيث أنه يوفِّر كابح معنوي قوي ضد اغتصاب السلطة و استبداد الحكّام.. و هو ما سيجعل الطغاة، حتى لو نجحوا في البداية، يواجهون مقاومة شعبية ستنتصر لا محالة عليهم "

وهنا المزيد في كلام المفكِّر الأمريكي ليساندر سبونر Lysander Spooner :
       "  هدف وثيقة الحريات هو التأكيد على حق الأفراد في مواجهة الدولة وفقًا للتعديل الثاني الذي يسمح بحمل السلاح و الاحتفاظ به، لتثبيت الحق في مقاومة القمع الحكومي. لأن الأمان الوحيد ضد الطغيان الحكومي يكمن في المقاومة بالقوة إن غابت العدالة "

و نكتفي بهذا العرض للمقتطفات، ثم ننتقل إلى أمريكا الحديثة..

***************

في أمريكا الحديثة، التي أضحت ذات ديكتاتورية مُقنَّعة بألاعيب الحواة الديمقراطية، صارت هناك عدة قوانين تحاول التحكم في البنادق الآلية بوجه خاص، لكن عامة السلاح ظل متداولًا بكثرة بين الشعب الأمريكي، حتى إن الاحصاءات عن انتشار السلاح في يد المدنيين تبدو مثيرة للدهشة، و سنستعرض بعض هذه الاحصائات لندرك هل الأمر انتهى بتلك القوانين الحديثة للحدّ من انتشار السلاح؟ و هل هناك صدى للجدالات الكبرى المستمرة دائمًا بين أنصار التحكم في انتشار السلاح و أنصار الحق في حرية حيازة السلاح؟

يبلغ عدد قطع السلاح المملوكة بواسطة المدنيين في الولايات المتحدة لعام 2012 (سلاح شرعي و غير شرعي) :

ما بين 270 إلى 310 مليون قطعة سلاح..
عدد البنادق المملوكة : 110 مليون بندقية متنوعة.
عدد الأسلحة اليدوية: 114 مليون سلاح.
عدد مُصنّعي السلاح الصغير في الولايات المتحدة (الأسلحة النارية الخفيفة): خمسة و نصف مليون مُصنِّع..
نسبة حاملي السلاح بالنسبة لعموم الشعب: 34 % (هذه النسبة ان قرأتها مرة أخرى باستبعاد العجزة و الأطفال و المعاقين و غير المؤهلين و عموم النساء، ستكتشف حجم انتشار السلاح وسط الرجال و الشباب)

* إذن في مجتمع مُسلَّح بهذه الكثافة، كم تبلغ حالات القتل السنوية نتيجة النزاعات المسلَّحة:
32 ألف قتيل حسب احصائية 2011.. ما يعادل 10 مواطنين في كل مئة ألف أمريكي!

* يكوِّن الأمريكان نسبة خمسة بالمائة من سكان العالم، و مع ذلك يحوز المدنيين منهم على 42% من السلاح المدني بالمقارنة مع كافة دول العالم كلّه!

هذه الحقائق ضرورية.. للإجابة عن الأسئلة التالية:

1) هل هناك خطورة مجتمعية لانتشار السلاح؟ و هل في أقرب شِجار أو نزاع، سيتم استخدام السلاح، مما سيتسبب في حوادث قتل واسعة المدى؟

الإجابة، لا.. بل إن التوازن المجتمعي المسلّح لم يجعل الأمر ينفلت زمامه إلا في حالات نادرة.. و قد جرت نقاشات صارخة طويلة في الولايات المتحدة بخصوص العديد من النِقاط المتعلقة بهذه المسألة، فكان المعارضون لانتشار السلاح يستدِّلون مثلًا يستعرضون نسبة القتل السنوية بالسلاح في انجلترا (التي تمنع حاليًا حيازة أي نوع من أنواع السلاح) فيجدون النسبة الأمريكية تفوقها بأربعين درجة! لكن المعارضة تهوِّن من شأن هذا الفارق باستعراض عشرات الدراسات عن حجم الجرائم الذي يقلّ بشدة في المجتمع المسلَّح، أو كما يقولون " إن عدد القتلى الضخم بالنسبة لكم، يقابله في الحقيقة ضعفيه على الأقل نجوا من الموت على يد المجرمين، بسبب امتلاكهم للسلاح الذي يدافعون به عن أنفسهم".. هكذا يستمر النقاش و يتجدد و يُدعِّم أنصار السلاح رأيهم بالحقائق الرقمية عن المجتمعات غير المسلَّحة و هشاشتها أمام الجريمة..

إذن ففي أكثر الأحوال حياديِّة، يظل الأمر غير محسوم اجتماعيًا لأي طرف، فكل منهما له عشرات الحجج، لكن الطرف الداعم لتسليح المجتمع يملك البيانات و النظريات، التي يمتد بعضها إلى جذور الآباء المؤسسين الذين نظروا للفكرة الأوروبية التي تقوم على صنع حاجز ضخم بين المدني و العسكري، و نزع السلاح من يد المدنيين، على أنها فكرة تبنتها انجلترا و غيرها من الممالك الأوروبية (رغم أن أصل قانون انتشار السلاح كان انجليزيًا!) لسهولة السيطرة على الشعب و ممارسة الديكتاتورية المقنّعة!

2) هل عسكرة المجتمع بنشر العقائد القتالية بين الناس، يهدد بإنهاء المجتمع المدني؟ و هل يعنى هذا أن الهوس بالسلاح يكون بديلًا بالضرورة عن العلوم الإنسانية و الطبيعية؟

الجواب: أمام الذي يعرض هذا السؤال نموذجين: أمريكا، وإسرائيل (أكبر أمَّة مسلّحة في العالم) فهل كان للإنتشار الهائل المرعب للسلاح عبر أكثر من قرنين في أمريكا، و الخلفية العسكرية للمواطنين الإسرائيليين هذا الأثر المُتوَّهم في الحياة المدنية العلمية و الإنسانية؟

سيكون من العبث الخوض في الإجابة! لا داعي طبعًا للحديث عن أمريكا، لكن قليل من البحث عن وضع إسرائيل العلمي يكفي جدًا لوأد هذا التساؤل إلى الأبد! هذه أمّة صغيرة مسلّحة ذات خلفية عسكرية لكافة الشعب، نساء و رجال و مراهقين، و مع ذلك لم تتعرقل الوظائف للجميع..

إنما منبع هذا التساؤل هو الوهم المزروع في النفوس الأوروبية أو الأمم المتأثرة بالاحتلال الأوروبي الغابر أو الديكتاتوريات الشرقية التاريخية، و التي تضع فاصلًا كبيرًا بين المدني و العسكري، كأنَّما لا يستقيم أبدًا لمدني أن يكون ذو خلفية عسكرية متينة، حاملًا للسلاح قادرًا على الاشتراك في أي جيش شعبي بسهولة تامة!

هذا الفصل الوهمي قد ناقشه الآباء المؤسسون لأمريكا، كما سبق و عرضنا، و كانت خلاصتهم أنها كارثة إذا سمحنا بجعل المجتمع داجن لا يملك القوة العسكرية لمواجهة الديكتاتوريات الداخلية و الانفراد الفيدرالي بالقوة العسكرية بله الغزو الخارجي.

3) ألا يُقيد هذا يد الدولة ضد التشكيلات المسلَّحة؟

راجع كلام الآباء المؤسسين، إن هذا بالضبط هو المطلوب! أن يحدث تقييد ليد الدولة في البطش بالناس، مرة أخرى نحن أمام حجة (العصابات الشعبية) لكن وسط شعب مسلح بالكامل لن يكون هذا يسيرًا، دون حجّة قوية لن تحصل تلك العصبة المسلّحة المتمردة على الشعبية الكافية، و دون حصولها على الشعبية الكافية (و تذكَّر دائمًا أن الشعب كله مسلَّح) كيف تستطيع تدمير الحكومة المرضي عنها شعبيًا؟! هذا ما حدث في احتجاج (الويسكي) المذكور سابقًا..

و في نفس الوقت فإن المنفعة الأكبر هنا -و في كل قانون منفعة و مضرّة- ستكون عدم قدرة فئة مسلحة في القفز على الخيار الشعبي (المحمي بالسيف) و عدم قدرة الحكّام على ممارسة الطغيان العسكري، بالطبع هذا يقودنا لتساؤل آخر نمرُّ عليه سريعًا لأنه خارج موضوعنا الحالي و هو: هل هذا أحد أسباب الإبداع الأمريكي في اختراع وسائل إعلامية لخداع الشعب؟ إن كان الأمر كذلك فلابد أن يقوم أي مجتمع مسلم بالاهتمام دائمًا بالوعي الحقيقي و الانتباه المستمر مع عدم الاستنامة لأنه حتى امتلاك السلاح لن يمنع الانخداع و العيش في الأوهام..

4) لكن هذا الانتشار للسلاح في أيدي الناس، لن ينفع في صدّ الأسلحة الثقيلة.. فما فائدته؟
الفائدة الأولى مذكورة قبلًا في مسألة صدّ الطغيان الحكومي و الدفاع الشرعي عن النفس الذي هو من أسس الحقوق الإنسانية و الإسلامية..

السبب الثاني الذي لم يناقشه الأمريكان لوضوحه هو صدّ العدوان الخارجي عن طريق تكوين ميليشيات شعبية بسهولة بالغة إن دعت الضرورة لذلك.. لم يناقشوه لأن تاريخهم الوطني بدأ بهذه الحقيقة أساسًا: أن وجود السلاح في أيدي الناس يسَّر لهم دفع الانجليز أينما قابلوهم.. هذه الحقيقية البدهية للأمريكان يناقشها البعض اليوم كأنها مشكوك فيها، مع أن نموذج واضح مثل أفغانستان (وهو شعب غير مسلح عمومًا إن قورن بأمريكا أو اسرائيل) يثبت إمكانية صمود الأسلحة الخفيفة أمام الغزو المتفوق، فيبقى دائمًا مسلم مسلّح و لو بسكّين أفضل ألف مرّة من منزوع السلاح لم يتدرب يومًا عليه.. و الحالة الإسرائيلية أوضح في تبيان هذا الأمر من الأفغان أنفسهم، فإن نزع فلسطين من يد اليهود مرة أخرى ليس له حل واضح مع تسلُّح هذا الشعب كباره و صغاره إلا بخوض حرب شاملة (تنظيفية) لأنه سيكون أمامك في كل منزل و منعطف عائق مخيف، و هو الاسرائيلي المُسلّح الذي يحتاج لتعامل خاص، هكذا جعلت الأمة اليهودية من مسألة نزعها خارج فلسطين مستحيلًا دون خوض حرب إبادة، لهم أو للمعتدي عليهم!

هذه الأمم المسلّحة التي يمكنها صدّ الهجوم العسكري والصمود أمامه ليس هناك من جدال في قدرتها على الفوز في النهاية، و لن يجد المعتدي عليها من حلٍ إلا الإبادة النووية الشاملة و هذا مستحيل مع أمة ضخمة كأمة الإسلام أو حتى قطر واحد من أقطارها الرئيسية الكبرى! فمهما كانت فائدة الأسلحة الثقيلة، سواء دبابات أو صواريخ، فإن التمكّن على الأرض مع شعب مسلّح يخوض مقاومة كبرى حتى الموت أمر شديد لا يتحمله جيش غازي..

الخلاصة النهائية:
إن مسألة تسليح المجتمع ليست فكرة خيالية، فهي موجودة على أرض الواقع، و مطبقٌ منذ عقود في أقوى دول التاريخ على الإطلاق، و لم يؤثِّر هذا على المخترعات و لا المجتمع المدني .. وهو الحل الوحيد لأمة مهددة دائمًا، سواء من النزعة الديكتاتورية الطبيعية في حكّامها، أو التهديد الدائم و المستمر الذي يواجهها من الأمم الأخرى التي تنظر لها في القرون الأخيرة كإرث يتداولونه فيما بينهم لتجربة عشرات الأوجه للحرب الدينية الكبرى ضد الإسلام: سواء الوجه الاقتصادي أو الفكري أو العسكري أو العنصري أو العقائدي الصريح..

مقال للاستاذ عمرو عبد العزيز

No comments: