Tuesday, August 23, 2011

لهذا أرفض العلمانية


بعيداً عن كل من وجهتي النظر المؤيدة للعلمانية كمخرج أوحد للبلاد والعباد من أزماتها والمعارضة للعلمانية كإحدى صور التبعية والتخلي عن الهوية، أجد نفسي مدفوعاً دفعاً أن أحسم أمري واتخذ موقف نحو هذه القضية بالانحياز إلى أحد الفريقين، ولكي يكون تصوري هذا مبني على حقيقة واجتهاد لا بناء على مجرد سماع من الآخرين - المؤيدين منهم والمعارضين – في برامج "اللك شو" قررت أن أبدأ بالبحث عن تعريف العلمانية عند مخترعيها وأصحابها الأصليين وطبعاً مع وجود الأنترنت كان الأمر سهل ويسير، فبمنتهى السهولة وجدت تعريف العلمانية على الويكيبيديا منقولاً عن دائرة المعارف البريطانية كالتالي:

" حركة اجتماعية تتجه نحو الاهتمام بالشؤون الأرضية بدلاً من الاهتمام بالشؤون الآخروية. وهي تعتبر جزءًا من النزعة الإنسانية التي سادت منذ عصر النهضة الداعية لإعلاء شأن الإنسان والأمور المرتبطة به بدلاً من الاهتمام بالله واليوم الأخر. فبدلاً من تحقيق غايات الإنسان من سعادة ورفاه في الحياة الآخرة، سعت العلمانية إلى تحقيق ذلك في الحياة الحالية ".

ظهرت أول مشاكل هذا المنهج من تعريفه، والكتاب يبان من عنوانه، فالعلمانية تطلب من اتباعها صرف اهتمامهم للدنيا بديلاً عن الآخرة، وهذا الطلب أجده يتعارض تماماً مع الركن الخامس من أركان إيماني الستة: الإيمان بالله – بالملائكة - بالكتب – بالرسل – باليوم الآخر – بالقدر، فكيف اتبع العلمانية عملياً واصرف اهتمامي عن الآخرة مع وجود يقين بداخلي أن أثر عملي في الدنيا لا يموت مع موتي وأتوجه بكل همتي نحو الدنيا بدلاً من الآهرة وأنا اقرأ الآية { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى }[الأعلى:16-17]

الحقيقة أن هناك مخرجا أظن أن كثير من العلمانيين العرب ( المتدينين ) ينتهجوه وهو العلمانية بالنكهة الإسلامية وهو أن تؤمن إيمان الصنف الثالث، فتؤمن بالأخرة إيماناً نظرياً معلوماتياً مع قليل من الأداء الإنفعالي بين الحين والحين عند ذكر الموت أو الآخرة، أما في المنهج العملي فتظل جالس في مكانك إلى أن يأتي الجيش فيصبحك ويجتاحك.

ويقوم أصحاب هذا المخرج بتغيير مضمون مسمى العلمانية عند أهلها ويعيدوا حشوها بمفاهيم إسلامية ويعيدوا تقديمها وتسويقها للناس على أنها لا تتعارض مع الإسلام، ويذكرني ذلك بثمرة الكوسة .. فهذه الثمرة مثل علمانيتهم تفرغ من مضمونها، ثم يعاد حشوها بغير قلبها، غير أن الكوسة بعد تغيير مضمونها يتغير اسمها ليصبح عند العقلاء "محشي" .. أما العلمانية المفرغة من مضمون ما اصطلح عليه أهلها تقدم بعد التفريغ وإعادة الحشو على أنها لازالت "علمانية" !!

والحقيقة إن درجة اللزوجة العالية في الصنف الثالث هذا تجعل هذا المخرج لا يناسبني.

فالعلمانية حسب تعريفها تسعى لإصلاح الدنيا بما توصلت إليه البشرية من علوم الدنيا حتى وإن لم يتوافق ذلك مع الشرائع الدينية، تماما كما فعلت أوربا المسيحية التي كانت قديماً تحارب الربا وتجعل آكل الربا كافر خارج من الملة وتزخر أدبياتها بالسخرية من آكلي الربا وتصورهم في أبشع الصور وتجعلهم دائما من اليهود لأن المسيحي الشريف لا يمكن أن يأكل الربا، ثم مع الوقت وزيادة حجم التبادل التجاري وسعي الأوربيين للربح الأكبر وسيطرة النظريات النفعية والمادية تخلت أوربا عن مسيحيتها – أو فلنقل طوعتها – لتجعل الربا ليس فقط مباح بل عماد اقتصادها ومؤسساتها.

المشكلة في هذا النهج المتعالى بعلوم الدنيا على شرائع الدين وهو أنه لا يمكث في الأرض إلا قليلاً ثم يظهر لنا كارثية الاعتماد عليه، ظهر ذلك في مثال الربا الذي نتحدث عنه لما توالت الأزمات الاقتصادية بسبب الأنظمة الربوية البنوك والبيوع الغير شرعية التي يعتمد عليها هذا النوع من الاقتصاد المفصول عن الدين، الأمر الذي دفع أكبر اقتصاديات العالم وبتحريض من الكنيسة نفسها للعودة إلى الشرائع الدينية بتحريم الربا والعودة إلى الفائدة صفر والاستفادة من أحكام الاقتصاد الإسلامي.

بمعنى آخر أن تخبط الإنسان في علوم الدنيا المضطربة أصلا لا يمكنه وحده أن يقيم شريعة تُصلح الدنيا، فما أن يقر قانون الإصلاح الزراعي كأسلوب عادل لتوزيع الثروات حتى يتم اكتشاف عجز الفلاح الفقير عن القيام بأعباء الزراعة ويتم التراجع عنه، وما أن يصعد قانون تأميم الشركات لمنع سيطرة رأس المال حتى يتم اكتشاف مساوئ ذلك ويعاد خصخصة الشركات وتخسر الأمة، وما أن تخترع التكنولوجيا النووية للأغراض الطبية إلا وتستخدم في إفناء البشرية.

بمعنى ثالث { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ }[الروم:7] فعلم الإنسان بقشور الدنيا لا يمكنه من القيام بإصلاح حياته فيها فما بالنا إذا أضيف إهدار الآخرة أيضاً لهذا المنهج الضعيف، فلا هو أصلح الدنيا ولا هو أصلح الآخرة.

{ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }[البقرة:200-201]

في المقابل يقدم لي الإسلام نموذج متوازن لإصلاح الدنيا عن طريق الاهتمام بالآخرة.

فقاعدة العمل في الإسلام تستمد من الأثر : " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا." والمقصود بها استمرارية العمل في أعمال الدنيا وإن لا أكف عن العمل مهما تعرضت لكبوات أو عقبات فغداً سأعيش لأزيل هذه العقبات وأحل هذه المشكلات وإن لم أحلها غداً فبعد غد أو بعده أو بعده، وبهذا المفهوم لا يكف الإنسان أبدا عن العمل لما فيه صلاح دنياه مهما تعرض لأزمات، وفي المقابل أعمل لآخرتي بكل الإخلاص والصدق وكأن هذا العمل الآخروي هو آخر ما افعله في حياتي.

لذلك لم يكن مستغرباً في الإسلام أن يباح للحجاج أن يتاجروا أثناء موسم الحج إلى الله ويعقدوا االصفقات وهم في حجهم { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ }[البقرة:197].

ولم يكن مستغرباً أن يؤمر الناس في المنهج الإسلامي بالسعي للمعايش تماماً كما يؤمرون بالصلاة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ }[الجمعة:9-10]

ولم يكن مستغرباً أن يؤجر مصلح أمر الناس في الدنيا بأكبر الأجر في الآخرة فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس "[مسلم]، أو ينال أجر المتصدقين في الآخرة لأنه زرع أو أزال أذى من الطريق فعنه صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً؛ فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة "[متفق عليه] وقال صلى الله عليه وسلم : " إماطة الإذى من الطريق صدقة "[صحيح الجامع].

ولم يكن غريبا بأن يستمر أمر المسلم بإصلاح الدنيا حتى وإن حضرت الآخرة وانقطعت أعمال الدنيا وقامت القيامة من حوله، فعن النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"[صحيح الجامع].

هذا التوازن والربط بين الإصلاح في الدنيا وتحقيق صلاح الآخرة في نفس الوقت يجعلني عندما انظر إلى المنهجين العلماني والإسلامي لأجد أن الطامحين للآخرة هم أكثر من يسعون لإصلاح الدنيا، بينما الواقفون عند حدود علمهم بالدنيا وما وصلوا فيها من قشور العلوم هم أعجز الناس أن يصلحوا دنياهم فضلاً عن أن يصلحوا آخرتهم، ولو قامت القيامة وبيد كل من المسلم والعلماني فسيلة فإن طالب الآخر سيبادر بزراعتها رجاء الثواب في الآخرة، أما مستبدل الآخرة بالدنيا سيرى أنه لا فائدة ولا جدوى من زراعة هذه الفسيلة وقد قامت القيامة.

5 comments:

عمار مطاوع said...

كلنا أنت :)

بني آدم said...

"إن الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يتيح للإنسان أن يعمل لدنياه و هو يعمل لآخرته
" نقلاً عن عم سيد مع بعض التغيير

ma 3lina said...

عمار مطاوع
إيه دا ؟؟ .. دا أنا كتير أوي على كده
:))

شرفتني بالزيارة والتعليق

بني آدم
جزاك الله خيرا يا باشمهندس على النقل المفيد عن عم سيد رحمه الله

رفقة عمر said...

التعليق اللى كتبته على موضوع الصنف التالت كان المفروض يكون هنا معلش نشرته هناك خطأ

ma 3lina said...

رفقة عمر
ولا يهمك المدونة مفتوحة على بعض
:)